حقيقة التدافع

07 سبتمبر 2015
حقيقة التدافع

حقيقة التدافع

ذ. علي قمري

هوية بريس – الإثنين 07 شتنبر 2015

في خضم التزاحم السياسي، والتنافس الانتخابي بين الأحزاب في الانتخابات، ينشغل كثير من الناس بتحليل قضايا الواقع السياسي، توصيفا، وتوليدا، وتوظيفا ؛بينما يحاول البعض تأصيله بأدلة شرعية وقواعد أصولية مقاصدية.

فالفئة الأولى وقعت في ما يسمى بسلطنة الواقع، والثانية انعطفت على طريق شرعنة المسيس، وكلا طرفي الأمر ذميم.

إن قضية الانتخابات والتصويت والترشح دائرة في معركة هزيلة بين أحزاب علمانية، وأخرى معلمنة ذات مرجعية إسلامية في منظومتها السلوكية.

وكل يدعي الإصلاح، وبالقرائن تتميز الصفوف.

فمن يهمه الأمر؟

من لا هم له إلا قضاء حاجته في قبب المجالس ومراحيض الإدارات، بأوراق السذج يشرونها بأثمان زهيدة.

من يجعل عينه على مصالح شخصية، على حساب مصالح الأمة والشعوب المقهورة.

وهذا أقل الخيانة!!!!

بقي لنا من يريد الإصلاح حقا، بنية صادقة، وإخلاص ظاهر، فهؤلاء لم يفهموا حقيقة الإصلاح ولا ماهية الفساد. فراحوا يغيرون بغير سياسة الشريعة، والشريعة منهم براء، يفسدون ويصلحون، وهم أقل فسادا من أهل الفساد والإفساد من بني علمان.

أما أصحاب الهمم العالية من أهل الصلاح والإصلاح الحقيقيين فهم يغيرون ويصلحون بالتكليف الشرعي غير الممزوج بالمقاصد والمصالح الملغاة شرعا.

ومجالس الفساد يكتفون فيها بالأمر القدري الكوني ولا يركنون إليها، فإن دخل الأقل فسادا وضررا فهم هم، وإن دخل فيها الصالح، فصلاحه يفرح الصادقين المصلحين ولا يؤثر في موقفهم من حيث الاعتزال الشعوري والمبدئي لأوكار الفساد.

فالاكتفاء بالأمر القدري الكوني في ثنائية الصلاح/الفساد، هو البديل الشرعي القائم بالانقياد التكليفي مفاصلة للفساد، وانفكاكا لجهة الإصلاح بالدعوة والتعليم والإنكار والاجتماع على ذلك.

يقول تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

إن الراهب لم يلج قصر الملك ليغير ويصلح مزاحمة كما يريد بعض أدعياء الإصلاح، وإنما اكتفى بالأمر القدري، فهيأه الله قدرا للغلام، وهيأ الغلام له، فكانت الأمور على ما أراده الله قدرا وتكليفا.

ولم يكن إصلاح الغلام ولم تكن دعوته جزئية تنازلية تقاعسية، ولكنه كان إصلاحا كليا تجاوز كل العقبات، ولم يبال بالموت والتعذيب والاستئصال، وكان ممكنا أن يعيش عيشة الملوك، وحياة الترف والغنى. ولكنها دعوة التضحية والبذل، والصبر على البلاء.

ونهاية القصة كانت مؤلمة في ظاهرها، فلقد مات المؤمنون بلهيب نيران تأججت شرارات قاتلة محرقة، فكان ذلك ابتلاء من الله وحكمة، ليتعلم منه المؤمنون درسا في طريقة التغيير، والإصلاح، وأن الأمر ليس بالغلبة والفوز المادي أو الحكمي الغالب على الأرض، وليتعلموا كذلك أنه لا مجال للركون إلى الظالمين، ولا للدخول إلى ميادينهم العفنة، ولا للتنازل عن مقتضيات شرع الله من أجل دنيا فانية، أو إصلاح دنيوي قاصر.

فهب أن العلمانيين اكتسحوا جميع المجالس وغلبوا حكما وتسييرا، فهذا لا يعني أن الدين سيموت كما يدعي من لا يعرف شيئا في سنة التدافع، فالدولة لها هياكل منظمة، بجهات منفكة، لا يستطيع العبث بها كل من سولت له نفسه ذلك، ومنه الحقل الديني، ولا تحسبوا أن الشعب ميت خائر إلى هذه الدرجة ليترك العلمانيين يعبثون بمقدسات الدين والأمة، ولا تظنوا كذلك أن العلمانيين أغبياء ليمسوا ما سيمسح وجودهم بغيرة وإقدام الغيورين على هذا الدين، وإن يكن عكسه فهو الابتلاء السنني الذي دائما ما ينسل من بين ثناياه فرج وتمكين واستعلاء لهذا الدين. فأصحاب الأخدود رموا عن بكرة أبيهم في النيران، ولكن استعلاء الإيمان تدفق نهرا جاريا في أرض الله ليطمس بعد سنوات وسنوات أثر الشرك والكفر في الناس. وما يلقاها إلا الذين صبروا.

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير